الدوري قال كلمته نيابة عن البعث، وعلى قادة حزب الدعوة وحلفائه، ليس الاستجابة لمفرداتها فهذا مستحيل، وإنما أن يكتبوا مثل ما كتب ويعترفوا بأخطائهم، كما اعترف، ويعلنوا عزوفهم عن السلطة كما أعلن وتعهد، فهل يجرؤون؟
العرب - هارون محمد [نُشر في 2017/03/02، العدد: 10559، ص(8)]

تمثل رسالة زعيم حزب البعث العربي الاشتراكي عزة الدوري إلى الكاتب والمفكر حسن العلوي، الذي كشف عن أجزاء منها في لقاء تلفزيوني بثته قناة الرشيد الفضائية، دعوة إلى التعايش الاجتماعي والسلم الأهلي في العراق، بعد طوفان الدم والخراب الذي اجتاح البلاد منذ أبريل 2003، ومازال هائجا يضرب في كل مكان بلا استثناء، في ظل طبقة سياسية ساهم قادتها بفسادهم وطائفيتهم، في دحرجة العراق إلى الهاوية، دون أن تلتفت إليه يد رحيمة، وتنتشل البقية الباقية من تاريخه كبلد كان يتفجر حيوية ونهوضا، وقدم إنجازات وشهد تحولات، خدمت الشعب والأمة والإنسانية، بغض النظر عن أخطاء بعض حكوماته وعجز الأنظمة السياسية التي قادته في فترات سابقة، من إكمال مسيرة بنائه، لخوضها في مغامرات لم تتحسب لآثارها، وعدم تقديرها الصحيح لحجم التآمر الخارجي، الذي استهدف تقويض الدولة العراقية الحديثة، كما حدث في أبريل 2003، التاريخ الرسمي للاحتلال الأميركي.

واضح أن الدوري الذي يقود الحزب وسط ظروف بالغة التعقيد، بحيث صار كل بعثي عرضة للاجتثاث وقطع الأعناق قبل قطع الأرزاق، قد اختار العلوي كعنوان لرسالته، لاعتبارات أبرز ملامحها، رفقة حزبية سابقة جمعت بين الاثنين رغم فارق العمر والمسؤوليات، وأيضا لأن العلوي يشارك في العملية السياسية وكان نائبا في الدورة السابقة، إضافة إلى استقلاليته الفكرية والسياسية، وعلاقاته مع أهل السلطة رغم انتقاداته لعدد منهم. وشخصيا اطلعت على جزء من رسالة سابقة للدوري بعثها إلى عدد من قياديي الحزب في مطلع العام 2010، وكانوا قد سألوه سابقا عن رأيه في ترشح العلوي لعضوية مجلس النواب ضمن القائمة العراقية، فقال عنه كلاما طيّبا، مؤكدا أن لا خلاف للبعث معه وإنما بعض قياديي الحزب اختلفوا معه، ومن يعرف الدوري أو اطلع على طبيعة شخصيته، يدرك أن الجانب الإنساني له حضور في سيرته ومسيرته، ولا يتعارض مع انضباطه الحزبي. فالرجل لم يعرف عنه على امتداد قرابة 35 عاما من مواقع المسؤولية التي تولاها، أنه مارس ظلما ضد بريء، أو انتهك حقا لأحد، بالعكس فإنه تعرض بسبب بساطته وتواضعه إلى ملاحظات كثيرة من الحزبيين المتشددين، الذين أشاعوا عنه قصصا بل نكات بعضها جارح في انتقاد تسامحه وطريقة تعامله مع الآخرين، بعثيين وغير بعثيين، وحكايته في إنقاذ محمد باقر الحكيم من الإعدام عندما كان وزيرا للداخلية عام 1977 وأوردها العلوي في حديثه التلفزيوني تعطي مثالا عن كيفية تعاطيه مع الخصوم السياسيين.

أبلغ ما في رسالة زعيم حزب البعث، التي هي في الواقع ليست موجهة إلى العلوي كشخص، وإنما إلى العراقيين جميعا، أنه ينصحهم بمواجهة مرحلة ما بعد داعش، بالتفاهم في ما بينهم وتجنب استخدام السلاح، ويقول لا نريد دما جديدا يضاف إلى الدم الذي سفك، ولا نريد موتا يستمر في حصد الأرواح، ويعلن على رؤوس الأشهاد أن البعث لا يطلب سلطة الآن أو مستقبلا، ولا يطمع في حكم أو حتى مشاركة فيه، وإنما المهم أن ينعم الشعب بالأمن والأمان.

من يتمعّن في هذه المفاهيم التي طرحها الدوري، رغم ما تعرض له البعثيون من اغتيال وتشريد ومطاردات، يلمس فيها نقاء الرغبة في استقرار العراق، بعد الأعاصير التي ضربته في نسيجه الاجتماعي وحولته إلى بلد مكونات طائفية وعرقية، غابت عنه المواطنة والهوية الوطنية، نتيجة ضحالة الأحزاب التي حكمته ونهجها السلطوي على مدى 14 عاما، مليئة بالقهر والقمع وتضييع موارد البلاد وسرقة الثروات، كما أن المبادئ التي حملتها رسالته لا تتضمن دعوة انتقامية من قتلة البعثيين ولا تشير إلى نزعة ثأرية، وإنما الاحتكام إلى العقل والحكمة، وهذا منهج يعبر عن موقف وطني واع وإنساني رائع في كيفية التصدي للمخاطر التي تنتظر العراق بعد زوال داعش، والتحذير من ظهور تنظيم جديد قد يتفوق على داعش في تطرفه، إذا استمرت الأحزاب الحاكمة على سلوكها المعوج وخطابها الطائفي.

ولأن الدوري لا يطمع في رضا أهل السلطة والحكم عنه، فهو يؤكد أن لا لقاء بأي شكل من الأشكال مع الحكومة القائمة التي يقودها حزب الدعوة، ويصفها بأنها عميلة لإيران وأميركا، على أساس أن مثل هكذا حكومات لا تملك إرادة وطنية ولا قرارا مستقلا، ولكنه في الوقت نفسه يدعو القيادة الإيرانية إلى احترام الجيرة والعلاقات التاريخية والدينية مع العراق والعرب، والاعتراف بالأخطاء المشتركة وطي صفحة حرب الثماني سنوات واعتبارها من الماضي، وفتح عهد جديد يقوم على التعاون والعمل بما يخدم الشعوب الإيرانية والعربية، ونبذ سياسات التدخل والاستحواذ على النفوذ لما تقوده إلى صراعات وحروب لا تنتهي.

الرسالة البعثية موجهة أيضا إلى الكويت، وهذه هي المرة الثانية التي يعترف الدوري بخطأ احتلال العراق للكويت في الثاني من أغسطس 1990، فقد سبق له في يوليو 2013 أن أقر بمثل هذا الخطأ الجسيم حسب تعبيره، واتهم القوى الاستعمارية والصهيونية بأنها تقف وراء هذه الكارثة التي ألحقت أضرارا فادحة بالعراق والكويت والأمة العربية.

الدوري قال كلمته واضحة وصريحة نيابة عن البعث، وعلى قادة حزب الدعوة وحلفائه، ليس الاستجابة لمفرداتها، فهذا مستحيل، وإنما أن يكتبوا مثل ما كتب، ويعترفوا بأخطائهم، كما اعترف، ويعلنوا عزوفهم عن السلطة كما أعلن وتعهد، فهل يجرؤون؟


كاتب عراقي

هارون محمد
http://www.alarab.co.uk/article/آراء.../manifest.html